رئيس التحرير يكتب:التحول النوعي في ديناميكيات الإرهاب بالمنطقة
تشهدُ الساحة السورية في الآونة الأخيرة تطوراتٍ حادةً ومتسارعةً نتجَ عنها تحدياتٌ تتجاوز كونها مسألةً داخليةً سوريةً؛ إذ أعادت إحياء المخاطر الكامنة العابرة للحدود، حيثُ ترسل برسائل إنذار مباشرة لكافة دول المنطقة للتحرك الاستباقي تجاه هذه المخاطر، ويأتي إعلان قوات النظام وقوات سوريا الديموقراطية عن هروب مئات السجناء التابعين لعناصر “تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق” المحتجزين في سجن “الشدادي” الواقع في مناطق سيطرة “قسد” في شمال شرق سوريا، بالتوازي مع إفراج الحكومة السورية عن عناصر أخرى من المحتجزين بعد عدم ثبوت تورطهم في النشاط الإرهابي، فضلًا عن النقل غير المقنّن لعددٍ من المقاتلين للعراق، هذه التطوراتُ تكشف عن مُعطياتٍ ميدانيةٍ وتحولٍ نوعيٍ في ديناميكيات الإرهاب في المنطقة ليس فقط في المشهد الجهادي السوري فحسب.
بالنسبة للأمن القومي المصري، فالخطر يكمن في “إعادة ضخّ” كوادر عملياتية وتعبوية في شرايين الشبكات الإرهابية العابرة للحدود؛ مما يعني تزايد احتمالية تفعيل مسارات الانتقال غير المباشرة لدول الجوار المصري التي تعاني من صراعاتٍ داخليةٍ وغيابٍ واضحٍ لمؤسسات الدولة الوطنية. في ضوء ذلك، يمكن توظيف هؤلاء العناصر كأدواتٍ في صراعات المنطقة ما يعمّق من حدّةِ أزمة الاستقرار ويمثّل مزيداً من الضغوط الأمنية على الأجهزة المصرية المعنية.
تمثّل عملية الهروب الأخيرة لعناصر “داعش” من سجن ‘الشدادي’ في 19 يناير 2026 وقرارات العفو الصادرة عن النظام السوري نقطة تحولٍ مفصلية في منحني التهديد الإرهابي في سوريا والمنطقة ككل وتضع الجميع أمام فوضى أمنيةٍ لا يمكن قراءتُها كحدثٍ أمنيٍ عابرٍ بل هي مؤشرٌ على خللٍ في التعامل مع الملفات الأمنية الحساسة كالملف الجهادي وملف المعتقلين الإرهابين ومقرات الاعتقال على وجهة التحديد؛ حيثُ تزداد خطورة الأمر في ظل وجود “فجوةٍ معلوماتيةٍ حادّة”؛ فتضاربت الروايات السورية حول أعداد الفارين فمن جهة “قسد” عن عدد الهاربين (1500) عنصر وقيادي من التنظيم، بينما تنفي الحكومة السورية هذا العدد وتؤكد أن الأعداد لا تتجاوز (120) عنصراً وتمّ إلقاء القبض على (81) منهم وجاري العمل على ملاحقةِ الفارين المتبقين.[1] علاوةً على ذلك تبادل الاتهامات بين الطرفين في التورط في تدبير عملية الهروب هذه، هذا التضاربُ يكشف بوضوحٍ عن أن الأطراف السورية تتعامل مع ملف الإرهاب كملفٍ “سياسي” لا كملفٍ “أمنيٍ”[2] يحمل تداعياتٍ كارثيةً على كافة دولة المنطقة المتأزمة بالفعل، فضلًا عن كونه يخلق ما يُعرف أمنيًا “بـالمناطق العمياء” يستغلها التنظيم في تعزيز نفوذه، وعلية يتحول المئات من العناصر الإرهابية إلى أشباحٍ خارج إطار الرصد ويتمتعون بحرية الحركة، ومع درجات عالية من الجاهزية للتوظيف كأداة اختراقٍ عابرةٍ للحدود مما يجعل من اختراقهم للدائرة الأمنية المصرية عبر المسارات غير المباشرة تهديدًا قائمًا ووشيكًا وليس مجرد احتمالٍ نظري.
نقـل معتقلي “داعــش” من سوريــا إلى العــراق
يمثّل ملف نقْلِ معتقلي تنظيم “داعش” من شمال شرق سوريا إلى العراق نقطة تحولٍ خطِرةٍ بعد نجاح جهود المكافحة في إحباط قيام مشروعه الإقليمي، فبينما يدور الهدف حول نقْلهم لبيئاتٍ آمنةٍ – وفقًا للقيادة المركزية الأمريكية – إلا أن الخطر يكمن في إتاحة الفرصة لإعادة تشكُّل التنظيم في الداخل العراقي إذا غابت المعالجة المُحكَمة لهذا الملف؛ فإدارة ملف معتقلي “داعش” ليست قضيةً عراقيةً – سوريةً فحسب، بل اختبار لقدرة الإقليم على منْع إعادة إنتاج التهديدات الإرهابية مما يتطلب ضرورة التحرك الاستباقي، وفي هذا السياق قد تنعكس تداعيات سوء إدارة هذا الملف على الأمن القومي المصري عبر ارتداداتٍ غير مباشرةٍ كإعادة تنشيط الشبكات المتطرفة عابرة الحدود، وعليه فإن الانخراط المصري المدروس في هذا الملف لا يمثّل فقط مساهمةً في الاستقرار الإقليمي بل يُعدّ استثمارًا مباشرًا في حماية الأمن القومي المصري وتعزيزَ دور القاهرة كفاعلٍ محوريٍ في جهود مكافحة الإرهاب؛ حيثُ تمتلكُ مصر أدواتٍ أمنيةً ودبلوماسيةً تجعلها مؤهلةً للقيام بدورٍ فاعلٍ في احتواء المخاطر وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
من منطلق ذلك، تبرز في المرحلة الحالية مجموعة مؤشراتٍ خطيرةٍ تُنذر باحتمالية عودة نشاط “داعش”:
أولًا عمليات النقل السريعة التي تعني إعادة تجميع عناصر التنظيم في نطاقٍ جغرافيٍ واحد وبالتالي تصبحُ السجونُ العراقية بيئةً خصبةً لإعادة إنتاج القيادة والروابط التنظيمية.
ثانيًا عمليات الهروب؛ التي تؤكد على تآكلٍ حقيقيٍ في قدرة الفواعل المحلية السورية في ضبط وتأمين مراكز الاحتجاز والمخيمات في ظل التوترات الأمنية مع قوات سوريا الديمقراطية.
ثالثًا إطلاق الحكومة السورية سراح محتجزين في سجون “قسد” لعدم ثبوت انتمائهم لداعش، كما حدث بالفعل في سجن “الأقطان”؛ حيثُ أفرجت الحكومة عن (125) محتجزٍ؛ وإلا أن الخطورة هنا – حتى لو لم يثبتْ انتماؤهم للتنظيم – في أن يكون بعض المُفرج عنهم قد تعرضوا لعمليات تأثّرٍ فكريٍ أو احتكاكٍ مباشرٍ بعناصر متشددةٍ خلال فترة الاحتجاز، ما يجعلهم قابلين للاستقطاب لاحقًا، كما أن الإفراج غير المصحوب ببرامج متابعةٍ أو إعادة تأهيل قد يخلق فجوةً أمنيةً تستغلها الشبكات المتطرفة لإعادة دمج هؤلاء الأفراد في دوائر الدعم اللوجستي أو البيئات الحاضنة، بما يحول قرار الإفراج من إجراءٍ قانونيٍ إلى مُتغيرٍ أمنيٍ ذي تداعياتٍ مؤجّلةٍ، كما تتزايد احتمالات تصعيد الهجمات على السجون العراقية ضمن استراتيجية التنظيم المعروفة بـ “هدم الأسوار” من خلال أذرعه الإعلامية، فضلًا عن احتمالية تنامي نشاط شبكات التهريب في المناطق الحدودية السورية – العراقية بما يوفّر مساراتٍ محتملةً لنقل الأفراد أو الدعم اللوجستي المرتبط بالتنظيم.
رابعًا المناورة التكتيكية من قِبل الأطراف السورية المحلية في استخدام ورقة الإرهاب المحتمل كأداة ضغطٍ سياسيٍ لإحداث خللٍ مُفتعلٍ متزامن مع استقطابات إقليميةٍ ودوليةٍ حادة تشهدها سوريا حاليًا.
تقييم التهديدات بالنسبة للأمن القومي المصري
في هذا السياق المعقّد وفيما يتعلق بالأمن القومي المصري تنقسم التهديدات الناشئة إلى ثلاثة مستويات أساسية، يمكن تصنيفها كالتالي:-
المستوى العملياتي؛ فخروج عناصر ذات خبرةٍ قتاليةٍ وتِقَنيةٍ عاليةٍ يعني إمكانية تطوير أساليب التنظيم في ظل الأسلوب اللامركزي والمرن الذي يتبناه مؤخرًا.
المستوى التعبوي والفكري؛ توفرُ هذه السيولة الاستراتيجية “زخماً معنوياً” للخلايا النائمة في دول المنطقة عبر تصدير سردية الصمود والقدرة على الاختراق مما قد يحفّز ظاهرة “الذئاب المنفردة” أو إعادة تنشيط المجموعات العنقودية الصغيرة.
مستوى التوظيف الجيوسياسي؛ فهناك احتماليةُ استخدام هذه العناصر “كـمرتزقةٍ أيديولوجيين” من قِبلِ قوى إقليميةٍ منافسةٍ لمصر لتنفيذ أجنداتٍ تخريبيةٍ في نطاقات التأثير المصري (ليبيا، منطقة الساحل والصحراء، أو التسلل لسيناء) وهو مستوى مرجح بشكل كبير.
هذه المخاطر من المحتمل لها أن تتخذ مساراتٍ مختلفة للتهديد؛ نستعرضها كالتالي:-
مسار الملاذات البديلة: انتقال العناصر الفارة إلى الساحة الليبية – الجنوب الليبي تحديداً – لاستغلال هشاشة الحدود الغربية المصرية وهو مسارٌ مرجّحٌ بقوة.
مسار شبكات التمويل العابرة: إعادة تنشيط قنوات التحويل المالي غير الرسمية لتمويل عمليات نقل العناصر أو تمويل خلايا داخلية مما يتطلب تشديدَ الرقابة على التدفقات المالية غير التقليدية.
مسار الارتباط الرقمي: زيادة حدّة التجنيد الإلكتروني الموجّه للشباب المصري، مستغلين حالة “السيولة الأمنية” في سوريا كنموذجٍ للنجاح المفترض.
هذه المسارات تستوجب مراقبة كافة المؤشرات والمتغيرات التي قد تحدث خلال الفترة القادمة بدقة سواء من خلال:-
رصْدُ الحركة على تطبيق “تليجرام” وغيره من المنصات المشفرة؛ أي زيادة في استخدام اللهجة المصرية أو الإشارات المكانية لمواقع داخل مصر في غرف الدردشة التابعة للتنظيم.
رصْدُ أي تغيرٍ في أنماط تهريب السلاح والبشر وأي محاولاتٍ لفتح ممراتٍ جديدةٍ عبر السودان أو البحر الأحمر وصولاً إلى سيناء أو الغرب الليبي وتدقيق الإجراءات الأمنية المتعلقة بالعناصر القادمة من مناطق النزاع أو الدول المجاورة لها تحت غطاءات مختلفة.
النشاط المالي ورصد قفزاتٍ غير مبرَرةٍ في تحويلات الأموال من مناطق النزاع أو المراكز المالية الوسيطة.
وتشديد الحزام الأمني ورفْعُ درجة الاستعداد في الاتجاه الاستراتيجي الغربي والجنوبي مع تكثيف الحملات الاستباقية لفك الارتباط الذهني بين “هروب العناصر” وبين “حتمية العودة” لدحض السردية الإرهابية الإعلامية.
في ضوء ما سبق عرضْهُ نوصي بضرورة التعامل الاستباقي مع المخاطر المحتملة للحدّ من تداعياتها على الأمن القومي المصري والأمن الإقليمي وعليه يمكن طرْحُ مجموعةٍ من التوصيات التي قد تُسهم في دعم جهود الدولة المصرية في هذا الملف، وذلك عبر الإجراءات التالية:-
الوساطة في إدارة ملف المعتقلين الأجانب؛ حيثُ يُوصى بأن تتبنّى مصر دورًا استباقيًا كوسيطٍ قانونيٍ ودبلوماسيٍ بين العراق والدول المعنية عبر آلياتٍ قضائيةٍ واضحة، والمساهمة في تبادل الخبرات بشأن محاكمتهم وإدارة ملفات العائدين، بما يحدُّ من الضغط الأمني على العراق، ويتيح هذا الانخراط الوقائي لمصر تعزيز صورتها كفاعلِ استقرارٍ إقليمي مسؤول.
تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي مع القوى الفاعلة في الملف السوري؛ من خلال التعاون في الرصد المبكر وتتبع شبكات التمويل والاتصال لتجنّب أي ارتداداتٍ أمنيةٍ وطلْبٍ للحصول على قوائم بياناتٍ وصور العناصر الفارّة والمُفرج عنهم، كذلك الانخراط بفعالية في جهود مكافحة الإرهاب في سوريا في إطار الآليات الإقليمية والدولية المشتركة.
توظيف خبرة المؤسسات الدينية المصرية في برامج فك الارتباط الفكري؛ ويشمل ذلك تقديم الخبرة في تصميم مناهج عقلانيةٍ لوقف تجنيد العناصر الجديدة، إضافةً إلى توفير التدريب للمسؤولين عن برامج المواجهة الفكرية داخل السجون؛ إذ يهدف هذا الانخراط إلى تقليل قدرة التنظيم على إعادة إنتاج خطاب التطرف، والحدّ من احتمالات إعادة دمْجِ هؤلاء الأفراد في شبكاته عند الإفراج أو الهروب، مما يعزّز الأمن الإقليمي ويجعل جهود الاحتواء أكثر استدامةً.





